{ تعريف الهندرة/اهمية الهندرة/علاقة الهندرة بالمشكلات الهندسية / رأي شخصي}
الهندرة في العمليات الهندسية دعونا نتخيل المشهد المعتاد في أي مكتب هندسي كبير: ملف المشروع يتقدم ببطء، خطوة بخطوة، بين المكاتب. إنه أشبه بـ سفينة شحن ضخمة تحاول المناورة في قناة ضيقة؛ كل قسم ينتظر الآخر، كل تعديل يعيد الكرة إلى نقطة البداية. الأخطاء تتراكم، والمهل الزمنية تتآكل، وفي كل مرة يئن مهندس شاب قائلاً: "ألا توجد طريقة أسرع وأذكى للقيام بهذا؟". لقد أصبحنا أسرى لـ "كيف كنا نفعلها دائماً". لم يكن إصلاح بعض نوافذ السفينة هو المطلوب، بل صناعة طائرة جديدة كلياً! هذا هو المكان الذي تدخل فيه الهندرة (Business Process Reengineering)، ليس كبرنامج تحسين بسيط، بل كـ إعلان ثورة جذري يهدف إلى إعادة كتابة قواعد اللعبة الهندسية من الصفر، وتحقيق نتائج غير عادية في الجودة والسرعة والتكلفة. ويُقصد بالهندرة (إعادة هندسة العمليات): البدء من جديد، أي من "نقطة الصفر"، من خلال إعادة التفكير المبدئي والأساسي، وإعادة التصميم الجذري للعمليات الإدارية والفنية، بهدف تحقيق تحسينات جوهرية وفائقة في معايير الأداء الحاسمة، مثل التكلفة، والجودة، والخدمة، والسرعة. فهي لا تعترف بالهياكل القائمة، بل تسعى لتصميم نظام عمل جديد يركز على القيمة النهائية للمشروع. وتكمن أهمية الهندرة في قدرتها على تمكين المؤسسات الهندسية من مواجهة التحديات المتسارعة؛ فهي تساهم في خفض التكاليف التشغيلية عبر إلغاء العمليات غير الضرورية والمكررة، وتعمل على تحسين جودة المخرجات الهندسية من خلال تقليل احتمالية الخطأ البشري الناتج عن تعدد جهات الاعتماد. كما تمنح المؤسسة مرونة عالية في الاستجابة لمتطلبات العميل المتغيرة، وتحقق طفرة في زمن إنجاز المشروعات، مما يعزز الميزة التنافسية في سوق لا يعترف إلا بالأسرع والأكثر كفاءة. ولحل المشكلة الهندسية، قررت الهندرة التركيز على القصة الكاملة للمشروع، وليس فصولها المتفرقة. الروتين القديم كان يُعامل المشروع كـ مجموعة من الأجزاء المنفصلة؛ كل مهندس محبوس في تخصصه، لكن الهندرة جاءت لتغير بطل القصة. لقد مزقت الهندرة جدول العمل المتتالي، وأصبحت الفرق الهندسية تعمل معًا بالتوازي وفي وقت واحد، كأنها فرقة إنقاذ متعددة التخصصات. وباستخدام تقنية نمذجة معلومات البناء كـ "ساحة عمل مشتركة"، يمكن للجميع رؤية التأثير الفوري لأي تعديل على جميع الجوانب، مما أدى لاختفاء زمن الانتظار المأساوي بين الإدارات. كما تم نقل السلطة إلى الخط الأمامي؛ فبدلاً من إرسال مذكرات صعوداً ونزولاً للحصول على عشرات التوقيعات لقرار بسيط، أصبح المهندس في الميدان هو القائد الذي يمتلك الصلاحية والبيانات اللازمة لاتخاذ قرارات فورية، مدعوماً بنظام معلومات متكامل. لقد تم استبدال الروتين بـ الثقة والتمكين. هذه ليست مجرد إعادة تنظيم؛ إنها إعادة تأسيس للثقة في قدرات الفرق الهندسية على العمل كـ كيان واحد متكامل. التكنولوجيا هنا ليست سوى الأداة التي مكنتنا من تخيل عمليات لم تكن موجودة. ومن رأي الباحث أن الهندرة تمثل وعدًا لمستقبل المهندس العربي. نحن نمتلك الكفاءة والذكاء، لكننا نُعاق من الهياكل البالية، والهندرة تمنحنا الفرصة لكي نطلق العنان لإمكاناتنا الإبداعية. ومع ذلك، يجب أن نكون واقعيين: هذه رحلة محفوفة بالمخاطر، فالأفراد الذين تعودوا على روتينهم هم أقوى مقاومي التغيير. ولذلك، فإن أصعب جزء في رحلة الهندرة ليس تصميم الخرائط الجديدة، بل إدارة المشاعر والأفكار؛ توفير التدريب، وبناء الإيمان بالرؤية الجديدة. لا يمكن لأي عملية أن تنجح إلا إذا تحولت من مجرد أوامر إدارية إلى ثقافة مؤسسية يؤمن بها الجميع، فالهندرة تبدأ من عقل المهندس قبل أن تظهر في مخططاته.
قائمة المصادر والمراجع:
السلمي، علي (2002). إدارة التغيير وإعادة هندسة العمليات (الهندرة). القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع.
منصور، كاسر نصر (2011). هندرة المنظمات: إعادة هندسة نظم العمل. عمان: دار الحامد للنشر والتوزيع.
محمود، محمد جابر (2018). نمذجة معلومات البناء (BIM) الطريق نحو مستقبل التشييد. الرياض: مجلة البناء.
بقلم: نور الهدى حسين حسن

تعليقات
إرسال تعليق